عبد القاهر بن طاهر البغدادي

136

الملل والنحل

ومن مكابرات جمهورهم دعواهم ان الذي يقدر على أن يرتفع من الأرض شبرا قادر على الصعود إلى السماوات ، كل بقة أو بعوضة قادرة على شرب ماء البحار والأنهار ، وعلى قتل أهل السماوات والأرض . ويزعم أكثرهم ان الزنج والترك قادرون على افتراض مثل قصائد العرب وعلى معارضة القرآن بمثله وما هو افصح منه ، وان / المقيد المغلل قادر على طفر الأنهار والصعود إلى السماء . ومن لم يعد هذه مكابرة ولا وجه لانكاره مكابره السوفسطائية « 1 » ، وكان فيهم رجل يعرف بقاسم الدمشقي يزعم أن حروف الصدق هي حروف الكذب بأعيانها . وان حروف قول القائل : لا إله الا اللّه ، هي حروف من قال لا إله الا المسيح . وان الحروف التي الفها النبي صلى اللّه عليه وسلم في كلامه هي الحروف التي الفها الشيطان في تكذيبه ، وان الحروف التي في القرآن في كتاب زرتشت المجوسي ، وان لم يكن هذه مكابرة فلا مكابرة في قول أهل العناد من السوفسطائية « 2 » . وذكر أصحاب التواريخ ان سبعة من زعمائهم اجتمعوا في مجلس وظهرت محاربهم في مسألة القدرة على الظلم والكذب ، فقيل للنظام : هل يقدر اللّه عز وجل على أن يكذب ؟ فقال : لو قدر عليه لم يدر لعله قد / ظلم وكذب فيما مضى ، أو لعله يظلم أو يكذب في المستقبل ، ولم يكن لنا من ذلك أمان الا من جهة حسن الظن به . فاما دليل مؤمن منه فلا ، لان الدليل لا يخرجه من القدرة عليه ، وما قدر عليه لم يؤمن وقوعه منه . فقال له الأسواري : يلزمك على هذا ان لا يقدر على ما علمه انه لا يفعله أو أخبرنا به لا يفعله ، لأنه لو قدر عليه لم يؤمن وقوعه منه فيما مضى ، أو في المستقبل . - فقال له النظام : هذا لازم ، فما قولك فيه ؟ قال : انا اسوي بينهما أو أقول انه لا يقدر على الجور ولا على ما علم أنه لا يفعله ، ولا على ما أخبرنا به لا يفعله ، وان كان فعل مثله عدلا منه . فقال أبو الهذيل للاسواري : ما تقول في فرعون ومن علم اللّه منهم

--> ( 1 ) الكلام الخاص بالزنج والترك إلى . . . السوفسطائية ، غير وارد في كتاب « الفرق » . ( 2 ) ورد هذا الكلام عن قاسم الدمشقي في كتاب « الفرق » ( ط . بدر ص 185 ، ط . الكوثري ص 119 ، عبد الحميد ص 198 ) .